أبو نصر الفارابي

51

الأعمال الفلسفية

حيث أنّها تتناول الكيف والكمّ والأين - فيذهب الفارابي إلى أنّ الحركة ليست من الأسماء المشتركة ، باعتبار أنّ الأسماء المشتركة لا تقال على قسم من المعاني التي تحتها باستحقاق أكثر من استحقاق البعض ، ولا تقال بتقديم ولا تأخير . فالحركة إذن من الأسماء التي تقال على ما تحتها من المعاني بتقديم وتأخير ، وليست هي بجنس لما تحتها ، لأنّ بعضها في الكميّة وبعضها في الكيفيّة وبعضها في الأين . وليس شيء من هذه الأجناس يحوي هذه الأجناس الثلاثة ! . وفي المرحلة هذه يبرز السؤال الرئيس في المقولات : ما هو الجوهر - الذي حدّه الموجود القائم بنفسه الذي هو ليس في موضوع ؟ . وما هو الجوهر الذي أعتبر الأصل الذي تحمل عليه المقولات الأخرى ، وأنّه المقصود بالإشارة والذي لا ضدّ له ؟ . اختلفت الرؤية عند الحكماء في حقيقة الجوهر - فذهب بعضهم إلى أنّ الجوهر إذا أطلق على الأجسام فحسب ؛ يمكن حينئذ أن يقال على سبيل التواطؤ والجنس . أمّا إذا قيل على معنى أعمّ من الجسم فعندئذ يطلق بطريق الاتفاق أو التشكيك ؛ كما هو عليه حال الموجود باعتبار قبلية المادّة والصّور على دلالة الجوهرية - رغم أنّ القاعدة التي يؤكدها الفيلسوف من أنّ الجوهر هو الموجود لا في موضوع ؛ تقود حتما إلى فكرة أن لا تقدّم في الجوهر ولا تأخّر . والمقصود بالجوهر - كما يبدو من أجوبة المعلم الثاني - هو الشيء الذي له ماهيته وخاصيّته في الأعيان مشروطا على أن لا يكون في موضوع ، وأن تكون هذه الماهية بحقيقتها جوهرا كالإنسان مثلا ؛ لا لأنّه موجود في الأعيان نحوا من الوجود الخاص ؛ بل لأنّه إنسان فحسب .